مهمة الحركة السلفية في المغرب .مقال للأستاذ : الحسن السايح


مجلة دعوة الحق - السنة الأولى
مجلة دعوة الحق - السنة الأولى

 islamaumaroc  مهمة الحركة السلفية في المغرب   الحسن السايح 2 العدد  لم تنجح أية حركة دينية فكرية في العالم الإسلامي نجاح الحركة  السلفية، هذه الحركة التي انتشرت في الشرق أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وكانت لها جذور تاريخية ترجع إلى ما قبل هذا القرن بكثير ... وتعتبر دعوتها بحق عاملا أساسيا في اليقظة الإسلامية الحديثة التي قاومت التبشير وكافحت ضد دسائس الاستعمار... ولولا هذه الحركة السلفية القديمة، والتي بدورها رجعت إلى الينابيع الأصيلة للفكرة الإسلامية حطمت نواياهم السيئة وأبادت آمالهم الفاسدة، وكانت هذه الحركة الجديدة من القوة بحيث استطاعت أن تخلق جيلا جديدا يعرف الإسلام كما هو، ويعرف في نفس الوقت مدى تربص الغرب بالإسلام والمسلمين ليوقعهم في حباله، ويسلخهم من مقوماتهم ثم يفصلهم عن حضارتهم.  ولا نستطيع أن نتجاهل الدور الأساسي الذي أسداه جمال الدين الأفغاني للحركة السلفية، وكذلك الدور الخطير الذي قام به بعده تلميذه النابغ محمد عبده مؤسس مدرسة المنار التي كانت لها أياد بيضاء على الحركة الفكرية الإسلامية... وإذا كنا اليوم نرى المسلمين استطاعوا أن يقفوا في وجه الغربيين وأن يبدعوا ويتفوقوا في شتى المجالات والميادين والمضامير فليس ذلك إلا بفضل هذه الحركة المباركة التي خلقت جيلا جديدا يتفهم مقتضيات العصر ومطالبه... وبودك أن ترجع بذاكرتك القهقرى لترى المسلمين في أوائل هذا العصر وهم ينفرون من التمدن ويعيشون في جو فكري عكر مليء بآراء بدائية لا تتصل بالإسلام وهو براء منها، ولا تنحدر عن الفكر السليم بقدر ما تبعد الصلة بينها ومنطقه العام ... ويمكن أيضا بسهولة أن ترجع إلى [...] الغربية أثر فيها وجعل منها حركة قومية في نفس الوقت، غير أن دعاتها شعروا بالفرق بين الدعوة السلفية وما يجب أن تكون عليه من وحدة إسلامية وبين الفكرة القومية التي تكتلت في الشرق آنذاك فوسعوا ميدانها وتولد عنها ما يسمى بالحركة الإسلامية... وتعتبر الحركة السلفية في الشرق جذوة شديدة الالتهاب تساقطت شظاياها في كل البلاد الإسلامية، على أن الشظية التي سقطت في المغرب الأقصى وجدت أمامها قرائح تلتهب حماسا وأفكارا تتأجج شوقا إلى تحرير الفكر المغربي، وكان القبس الروحي القداس الذي ألقته صحف السلفيين الشرقيين ومجلاتهم كفيلا أن يبعث العالم الإسلامي المغربي بعثا يتناسب والبعث الشرقي... [...] آثار السلفيين أوائل هذا العصر لترى مدى عمل هذه الحركة لتنظيف الفكر المسلم وتهيء الشباب للحياة الجديدة المعاصرة، فلولا جهود هؤلاء المؤمنين الأتقياء لكنا مجالا لاستعباد المستعبدين واستغلال المستعمرين والإقطاعيين..  وإذا فالحركة السلفية كانت عاملا من عوامل التطور العقلي في الشعوب الإسلامية، وكانت مركز عمل وتوجيه، كما أن معارضتها للتيار الغربي خلق في تفكيرها ذبذبة جديدة وطاقة قوية كانت سببا في هذا النشاط العميم الذي غمر العالم الإسلامي... ثم كان من مقاومتها لمكايد الغربيين أن اصطبغت عن غير قصد بلون جديد، وتأثرت بأنظمة الغرب وأساليبه فكانت أيضا عاملا في انتشال الفكر الشعبي الإسلامي من فوضى الإيمان والعمل إلى نظام ووحدة عقيدية قضت على الطرقية التي فرقت الأمة الواحدة طرائق قددا وأقامت حربا عدائية تعصبية في صفوف المسلمين لا ترتكز على أي تنافر تقدمي مجد. ورغم أن الحركة السلفية كان عليها أن تكون حركة أوسع من نطاق القوميات فإن وجودها في عصر القوميات والواقع أن الحركة السلفية المغربية عرفت المغرب قبل عصر الأفغاني بكثير ولكنها لم تكن من الوضوح والنصاعة والاستعداد للعمل مثلما أصبحت عليه فيما بعد، ولذلك فما كادت الحركة السلفية المتأخرة بالشرق تصدع بأمرها حتى كان صداها في المغرب أكثر قوة وأشد تأثيرا، وحتى استجاب المغرب لندائها، وحمل لواءها، ولكن الحركة السلفية الفتية في المغرب لم تكن تجد من وسائل الدعاية والنشر ما كانت تجده أختها بالشرق، نظرا للانحطاط الفكري العام وتكالب المستعمرين على خنقها في المهد والقضاء عليها وليدة قبل أن تشب...  لقد عرف المغرب الحركة السلفية لما حمل الحجاج دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى المولى سليمان الذي أعجب بها وحاول نشرها بالمغرب، فألف رسائله الإصلاحية، وانشأ خطبة أمر الخطباء بقراءتها على المنابر، ويحدثنا الزياني والناصري عن هذه الحركة بإسهاب لا محل لذكره هنا، ثم جاء عبد الله السنوسي من الشرق وكان أثريا سلفيا، واتصل بالمولى الحسن وحضر بنفسه دروسه بفاس، وكان السنوسي يدعو لإصلاح العقيدة وفتح باب الاجتهاد والأخذ بالسلفية، ولما كانت دعوته أقوى من عصره ثار العلماء في وجه دعوته ورشقوه بسهام النقد ... وما كاد الشيخ محمد عبده يرفع عقيرته بهذه الدعوة في الشرق حتى كان لها صدى في المغرب، وتلهف المصلحون على ما كان ينشره ويذيعه من كتب رغم وطأة الرقابة، وأخيرا عزم الشيخ الإمام على زيارة المغرب ولكن المنية عاجلته.  و جاء بعد هؤلاء محدث خطير ومصلح كبير وهو الشيخ أبو شعيب الدكالي الذي عاصر محمد عبده، وأظن أنه اتصل به اتصال الأنداد، وكان أن بدأ حركته السلفية في عهد المولى عبد الحفيظ، وساعدته ذاكرته القوية وحافظته الجبارة ولهجته المتناسقة أن يخلب الألباب ويحير الأسماع، فنجح نجاحا منقطع النظير وتبوأ منصب القيادة العاطفية والزعامة الدينية في هذه البلاد.  وكما كان الشيخ محمد عبده يصادف معارضة نزيهة من بعض العلماء الذين [لم] يروا رأيه كالألباني والشيخ بخيت مثلا فكذلك عرف المغرب حركة تعادي السلفية، ولا نتحدث عن هؤلاء الأعداء الذين تنمروا لها بدافع الغطرسة والمكيدة، بل نتحدث عمن حاربوها عن نية حسنة ورأوا فيها حركة ترجع القهقرى بالتطور الفقهي والعقيدي والعمل على عدم مزج التصوف بالعقيدة، كالمراكشي الذي نشر كتبا في هذا الموضوع وكتب عنه الأستاذ فور بحثا قيما شرح فيه أفكاره ودرس تآليفه بوضوح، وكغيره من زعماء بعض الطرق الذين كانت نيتهم حسنة وإن استغلها أعداء الإصلاح.
 مهمة الحركة السلفية في المغرب .مقال للأستاذ الحسن السايح  الحسن السائح

هذه مهمة الحركة السلفية قبل الاستقلال: مقاومة المستعمرين، وتطهير الفكر، والرجوع بالإسلام إلى عذوبة ينابيعه الأولى ... وقد أصبحت الحركة السلفية اليوم تواجه مشاكل أخرى، وهي في نظري أشد عناء من المشاكل السابقة، ذلك لأن أعداءها بالأمس كانوا يكيدون في وضح النهار وهم اليوم يكيدون لها في ظلام الليل، كانوا من الوضوح والجلاء بحيث لا يتعذر على السلفية أن تقاوم في عنف اتجاههم وتكبح جماحهم  وترد كيدهم، وكان من السهل عليها أن تكتل الجهود الشعبية لمقاومة هؤلاء الأعداء كما كانت الدعوة إلى التعبئة العامة لمناهضة المحطمين تجد آذانا مرهفة وقلوبا واعية، أما اليوم فهي إزاء مشاكل من نوع آخر، ولا أبالغ إذا قلت إن هذه المشاكل أخطر مما عرفته بالأمس، فليس من شك أن الشباب المغربي قرأ كثيرا عن فلاسفة الغرب وفلسفتهم المادية وتعرف إلى الحضارة الفكرية بطريقة منظمة، ثم لا شك أيضا أن هؤلاء لا يعرفون إلا نزرا عن حضارة الشرق الروحية، وهذا النزر الذي يعرفونه مشوه ومبتور، وأستطيع أن أقول إن هذا الشباب لو طرحت عليه مشكلة فلسفية تتصل بهذه المادة التي استظهرها في دراسة الفلسفة لكانت معرفته عميقة بالموضوع إن كان ماسا بالفلسفة الفرنسية، وسطحية إذا كان ماسا بالفلسفة الإنجليزية، ولكنها سطحية فيها احترام وتقدير لهذه الفلسفة، أما إذا كانت ماسة بالفلسفة الشرقية فمعرفته بها مشوهة لا تخلو من جهل وازدراء... وهؤلاء يكونون خطرا على نهضتنا الجديدة لأنهم غرباء عن الفكر المغربي وإن كانوا من رحمه، وهم إنما يجارون التيار تزلفا، أو ربما جاروه مجاراة لا تخلو من استسلام وعدم اكتراث، وإذا قدر لهؤلاء أن يتكلموا عن الدعوة الروحية بصراحة فهم لا يقلون حماسا في النيل منها من أعدائها القدماء... وكيفما كانت الحرية الفكرية التي ندعو إليها ونرغب فيها فنحن لا نطمئن إلى حرية هدامة، وإذا كنا لا نتعصب لفكرة ما فنرجو أيضا ألا يتعصب هؤلاء لأفكارهم الخاصة, وأنا أعتقد أن الذي يراك تدخل المسجد فيلدغ سلوكك بكلمات تهكمية لا يقل تعصبا عن هذا المتدين الذي يرى من الواجب أن تقيم الدولة عقوبات صارمة على المواطنين الذين لا يؤدون الصلاة في أوقاتها...  ولا أحتاج للبرهنة على ما أقول بضرب الأمثلة وعرض الأشرطة، فيكفي أن تتحدث إلى شاب مغربي غربي الثقافة ليحدثك عن الإسلام بمثل ما تحدث به عنه هانتو وأمثاله وما انتقده الغرب على الآراء والمعتقدات الإسلامية في القدر والقضاء والخلافة والحكم والعدالة مثلا، ثم لا يذكر لك شيئا عن موقف الفلسفة الإسلامية المعاصرة من هذه الشكوك... كفى بهذا حجة أن الشباب يتأثر بالأفكار الغربية أكثر من تأثره بالآراء الشرقية الروحية، ومعرفته بها على الأقل...والواقع أن المشاكل التي تواجه اليوم الحركة السلفية متعددة منها هذا النوع من الشكوك والريب الذي يمس جوهر الإيمان والغيبيات، ثم ما تحمل الحضارة الغربية المادية من تحطيم للقيم الروحية، وهذا النوع لا يجابه حركتنا السلفية وحدها بل يقف كابوسا أمام الديانات سواء في الشرق أو في الغرب، في الشمال أو الجنوب.. ومن هذه المشاكل نوع آخر يواجه الحركة الإسلامية وحدها، ويظهر في هذه الرشقات التي يصيب بها فريق من الذين يمعنون في الحركة الإسلامية نقدا وتجريحا، ثم هذه النظريات التقدمية التي علينا أن نوفق بينها وبين مبادئ الإسلام حتى لا يشعر الشباب المسلم بهذا الاعتلاج في صدره بين عقله وقلبه، وهذا النوع نقتسم أعباءه مع إخواننا المسلمين في العالم الإسلامي أجمع، وأخيرا من هذه المشاكل نوع آخر يعترض طريقنا - ويجب أن نعترضه - ويظهر في هذا الإلحاد الذي ينبثق من صفوفنا وهذا الشك القائم الذي يخيم على أفكار شبابنا والذي كان له أصل من جمودنا طورا، ومن الرواسب الاستعمارية مرة أخرى ...  وكيفما كان الأمر فالحركة السلفية اليوم إزاء هذه المشاكل كلها، ولن تستطيع أن تتنكر لها أو تمضي في صمت مغرق غير حافلة بهذه الأشواك التي تزرع في حقل الإيمان الطاهر، وهذه الشكوك التي تنبثق في مجال اليقين المطلق. فإذا كانت الحركة السلفية تحارب بالأمس عدوا أجنبيا نشاهده وجها لوجه فهي اليوم تحارب عدوا خفيا تنمو جراثيمه في الظلام... فلتكن الحركة السلفية اليوم أكثر استعدادا وأوفر مقومات لتكافح مستميتة ولتنتصر اليوم كما انتصرت بالأمس.. ولن يكون هذا إلا بنفس السلاح الحاد ونفس الطريقة التي ينزع إليها الخصوم الألداء، ثم لن يكون هذا أيضا إلا بثقافة واسعة،مهمة الحركة السلفية في المغرب .مقال للأستاذ الحسن السايح  واطلاع عميق ومعرفة دقيقة بمشاكل العصر ومطامح النشء وآمال الشباب.

مهمة الحركة السلفية في المغرب

  الحسن السايح
2 العدد
    لم تنجح أية حركة دينية فكرية في العالم الإسلامي نجاح الحركة  السلفية، هذه الحركة التي انتشرت في الشرق أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وكانت لها جذور تاريخية ترجع إلى ما قبل هذا القرن بكثير ... وتعتبر دعوتها بحق عاملا أساسيا في اليقظة الإسلامية الحديثة التي قاومت التبشير وكافحت ضد دسائس الاستعمار... ولولا هذه الحركة السلفية القديمة، والتي بدورها رجعت إلى الينابيع الأصيلة للفكرة الإسلامية حطمت نواياهم السيئة وأبادت آمالهم الفاسدة، وكانت هذه الحركة الجديدة من القوة بحيث استطاعت أن تخلق جيلا جديدا يعرف الإسلام كما هو، ويعرف في نفس الوقت مدى تربص الغرب بالإسلام والمسلمين ليوقعهم في حباله، ويسلخهم من مقوماتهم ثم يفصلهم عن حضارتهم.
    ولا نستطيع أن نتجاهل الدور الأساسي الذي أسداه جمال الدين الأفغاني للحركة السلفية، وكذلك الدور الخطير الذي قام به بعده تلميذه النابغ محمد عبده مؤسس مدرسة المنار التي كانت لها أياد بيضاء على الحركة الفكرية الإسلامية... وإذا كنا اليوم نرى المسلمين استطاعوا أن يقفوا في وجه الغربيين وأن يبدعوا ويتفوقوا في شتى المجالات والميادين والمضامير فليس ذلك إلا بفضل هذه الحركة المباركة التي خلقت جيلا جديدا يتفهم مقتضيات العصر ومطالبه... وبودك أن ترجع بذاكرتك القهقرى لترى المسلمين في أوائل هذا العصر وهم ينفرون من التمدن ويعيشون في جو فكري عكر مليء بآراء بدائية لا تتصل بالإسلام وهو براء منها، ولا تنحدر عن الفكر السليم بقدر ما تبعد الصلة بينها ومنطقه العام ... ويمكن أيضا بسهولة أن ترجع إلى [...] الغربية أثر فيها وجعل منها حركة قومية في نفس الوقت، غير أن دعاتها شعروا بالفرق بين الدعوة السلفية وما يجب أن تكون عليه من وحدة إسلامية وبين الفكرة القومية التي تكتلت في الشرق آنذاك فوسعوا ميدانها وتولد عنها ما يسمى بالحركة الإسلامية... وتعتبر الحركة السلفية في الشرق جذوة شديدة الالتهاب تساقطت شظاياها في كل البلاد الإسلامية، على أن الشظية التي سقطت في المغرب الأقصى وجدت أمامها قرائح تلتهب حماسا وأفكارا تتأجج شوقا إلى تحرير الفكر المغربي، وكان القبس الروحي القداس الذي ألقته صحف السلفيين الشرقيين ومجلاتهم كفيلا أن يبعث العالم الإسلامي المغربي بعثا يتناسب والبعث الشرقي...
    [...] آثار السلفيين أوائل هذا العصر لترى مدى عمل هذه الحركة لتنظيف الفكر المسلم وتهيء الشباب للحياة الجديدة المعاصرة، فلولا جهود هؤلاء المؤمنين الأتقياء لكنا مجالا لاستعباد المستعبدين واستغلال المستعمرين والإقطاعيين..
    وإذا فالحركة السلفية كانت عاملا من عوامل التطور العقلي في الشعوب الإسلامية، وكانت مركز عمل وتوجيه، كما أن معارضتها للتيار الغربي خلق في تفكيرها ذبذبة جديدة وطاقة قوية كانت سببا في هذا النشاط العميم الذي غمر العالم الإسلامي... ثم كان من مقاومتها لمكايد الغربيين أن اصطبغت عن غير قصد بلون جديد، وتأثرت بأنظمة الغرب وأساليبه فكانت أيضا عاملا في انتشال الفكر الشعبي الإسلامي من فوضى الإيمان والعمل إلى نظام ووحدة عقيدية قضت على الطرقية التي فرقت الأمة الواحدة طرائق قددا وأقامت حربا عدائية تعصبية في صفوف المسلمين لا ترتكز على أي تنافر تقدمي مجد.
    ورغم أن الحركة السلفية كان عليها أن تكون حركة أوسع من نطاق القوميات فإن وجودها في عصر القوميات والواقع أن الحركة السلفية المغربية عرفت المغرب قبل عصر الأفغاني بكثير ولكنها لم تكن من الوضوح والنصاعة والاستعداد للعمل مثلما أصبحت عليه فيما بعد، ولذلك فما كادت الحركة السلفية المتأخرة بالشرق تصدع بأمرها حتى كان صداها في المغرب أكثر قوة وأشد تأثيرا، وحتى استجاب المغرب لندائها، وحمل لواءها، ولكن الحركة السلفية الفتية في المغرب لم تكن تجد من وسائل الدعاية والنشر ما كانت تجده أختها بالشرق، نظرا للانحطاط الفكري العام وتكالب المستعمرين على خنقها في المهد والقضاء عليها وليدة قبل أن تشب...
    لقد عرف المغرب الحركة السلفية لما حمل الحجاج دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى المولى سليمان الذي أعجب بها وحاول نشرها بالمغرب، فألف رسائله الإصلاحية، وانشأ خطبة أمر الخطباء بقراءتها على المنابر، ويحدثنا الزياني والناصري عن هذه الحركة بإسهاب لا محل لذكره هنا، ثم جاء عبد الله السنوسي من الشرق وكان أثريا سلفيا، واتصل بالمولى الحسن وحضر بنفسه دروسه بفاس، وكان السنوسي يدعو لإصلاح العقيدة وفتح باب الاجتهاد والأخذ بالسلفية، ولما كانت دعوته أقوى من عصره ثار العلماء في وجه دعوته ورشقوه بسهام النقد ... وما كاد الشيخ محمد عبده يرفع عقيرته بهذه الدعوة في الشرق حتى كان لها صدى في المغرب، وتلهف المصلحون على ما كان ينشره ويذيعه من كتب رغم وطأة الرقابة، وأخيرا عزم الشيخ الإمام على زيارة المغرب ولكن المنية عاجلته.
    و جاء بعد هؤلاء محدث خطير ومصلح كبير وهو الشيخ أبو شعيب الدكالي الذي عاصر محمد عبده، وأظن أنه اتصل به اتصال الأنداد، وكان أن بدأ حركته السلفية في عهد المولى عبد الحفيظ، وساعدته ذاكرته القوية وحافظته الجبارة ولهجته المتناسقة أن يخلب الألباب ويحير الأسماع، فنجح نجاحا منقطع النظير وتبوأ منصب القيادة العاطفية والزعامة الدينية في هذه البلاد.
    وكما كان الشيخ محمد عبده يصادف معارضة نزيهة من بعض العلماء الذين [لم] يروا رأيه كالألباني والشيخ بخيت مثلا فكذلك عرف المغرب حركة تعادي السلفية، ولا نتحدث عن هؤلاء الأعداء الذين تنمروا لها بدافع الغطرسة والمكيدة، بل نتحدث عمن حاربوها عن نية حسنة ورأوا فيها حركة ترجع القهقرى بالتطور الفقهي والعقيدي والعمل على عدم مزج التصوف بالعقيدة، كالمراكشي الذي نشر كتبا في هذا الموضوع وكتب عنه الأستاذ فور بحثا قيما شرح فيه أفكاره ودرس تآليفه بوضوح، وكغيره من زعماء بعض الطرق الذين كانت نيتهم حسنة وإن استغلها أعداء الإصلاح.
    هذه مهمة الحركة السلفية قبل الاستقلال: مقاومة المستعمرين، وتطهير الفكر، والرجوع بالإسلام إلى عذوبة ينابيعه الأولى ... وقد أصبحت الحركة السلفية اليوم تواجه مشاكل أخرى، وهي في نظري أشد عناء من المشاكل السابقة، ذلك لأن أعداءها بالأمس كانوا يكيدون في وضح النهار وهم اليوم يكيدون لها في ظلام الليل، كانوا من الوضوح والجلاء بحيث لا يتعذر على السلفية أن تقاوم في عنف اتجاههم وتكبح جماحهم  وترد كيدهم، وكان من السهل عليها أن تكتل الجهود الشعبية لمقاومة هؤلاء الأعداء كما كانت الدعوة إلى التعبئة العامة لمناهضة المحطمين تجد آذانا مرهفة وقلوبا واعية، أما اليوم فهي إزاء مشاكل من نوع آخر، ولا أبالغ إذا قلت إن هذه المشاكل أخطر مما عرفته بالأمس، فليس من شك أن الشباب المغربي قرأ كثيرا عن فلاسفة الغرب وفلسفتهم المادية وتعرف إلى الحضارة الفكرية بطريقة منظمة، ثم لا شك أيضا أن هؤلاء لا يعرفون إلا نزرا عن حضارة الشرق الروحية، وهذا النزر الذي يعرفونه مشوه ومبتور، وأستطيع أن أقول إن هذا الشباب لو طرحت عليه مشكلة فلسفية تتصل بهذه المادة التي استظهرها في دراسة الفلسفة لكانت معرفته عميقة بالموضوع إن كان ماسا بالفلسفة الفرنسية، وسطحية إذا كان ماسا بالفلسفة الإنجليزية، ولكنها سطحية فيها احترام وتقدير لهذه الفلسفة، أما إذا كانت ماسة بالفلسفة الشرقية فمعرفته بها مشوهة لا تخلو من جهل وازدراء... وهؤلاء يكونون خطرا على نهضتنا الجديدة لأنهم غرباء عن الفكر المغربي وإن كانوا من رحمه، وهم إنما يجارون التيار تزلفا، أو ربما جاروه مجاراة لا تخلو من استسلام وعدم اكتراث، وإذا قدر لهؤلاء أن يتكلموا عن الدعوة الروحية بصراحة فهم لا يقلون حماسا في النيل منها من أعدائها القدماء... وكيفما كانت الحرية الفكرية التي ندعو إليها ونرغب فيها فنحن لا نطمئن إلى حرية هدامة، وإذا كنا لا نتعصب لفكرة ما فنرجو أيضا ألا يتعصب هؤلاء لأفكارهم الخاصة, وأنا أعتقد أن الذي يراك تدخل المسجد فيلدغ سلوكك بكلمات تهكمية لا يقل تعصبا عن هذا المتدين الذي يرى من الواجب أن تقيم الدولة عقوبات صارمة على المواطنين الذين لا يؤدون الصلاة في أوقاتها...
    ولا أحتاج للبرهنة على ما أقول بضرب الأمثلة وعرض الأشرطة، فيكفي أن تتحدث إلى شاب مغربي غربي الثقافة ليحدثك عن الإسلام بمثل ما تحدث به عنه هانتو وأمثاله وما انتقده الغرب على الآراء والمعتقدات الإسلامية
    في القدر والقضاء والخلافة والحكم والعدالة مثلا، ثم لا يذكر لك شيئا عن موقف الفلسفة الإسلامية المعاصرة من هذه الشكوك... كفى بهذا حجة أن الشباب يتأثر بالأفكار الغربية أكثر من تأثره بالآراء الشرقية الروحية، ومعرفته بها على الأقل...والواقع أن المشاكل التي تواجه اليوم الحركة السلفية متعددة منها هذا النوع من الشكوك والريب الذي يمس جوهر الإيمان والغيبيات، ثم ما تحمل الحضارة الغربية المادية من تحطيم للقيم الروحية، وهذا النوع لا يجابه حركتنا السلفية وحدها بل يقف كابوسا أمام الديانات سواء في الشرق أو في الغرب، في الشمال أو الجنوب.. ومن هذه المشاكل نوع آخر يواجه الحركة الإسلامية وحدها، ويظهر في هذه الرشقات التي يصيب بها فريق من الذين يمعنون في الحركة الإسلامية نقدا وتجريحا، ثم هذه النظريات التقدمية التي علينا أن نوفق بينها وبين مبادئ الإسلام حتى لا يشعر الشباب المسلم بهذا الاعتلاج في صدره بين عقله وقلبه، وهذا النوع نقتسم أعباءه مع إخواننا المسلمين في العالم الإسلامي أجمع، وأخيرا من هذه المشاكل نوع آخر يعترض طريقنا - ويجب أن نعترضه - ويظهر في هذا الإلحاد الذي ينبثق من صفوفنا وهذا الشك القائم الذي يخيم على أفكار شبابنا والذي كان له أصل من جمودنا طورا، ومن الرواسب الاستعمارية مرة أخرى ...
    وكيفما كان الأمر فالحركة السلفية اليوم إزاء هذه المشاكل كلها، ولن تستطيع أن تتنكر لها أو تمضي في صمت مغرق غير حافلة بهذه الأشواك التي تزرع في حقل الإيمان الطاهر، وهذه الشكوك التي تنبثق في مجال اليقين المطلق. فإذا كانت الحركة السلفية تحارب بالأمس عدوا أجنبيا نشاهده وجها لوجه فهي اليوم تحارب عدوا خفيا تنمو جراثيمه في الظلام... فلتكن الحركة السلفية اليوم أكثر استعدادا وأوفر مقومات لتكافح مستميتة ولتنتصر اليوم كما انتصرت بالأمس.. ولن يكون هذا إلا بنفس السلاح الحاد ونفس الطريقة التي ينزع إليها الخصوم الألداء، ثم لن يكون هذا أيضا إلا بثقافة واسعة، واطلاع عميق ومعرفة دقيقة بمشاكل العصر ومطامح النشء وآمال الشباب.





    مهمة الحركة السلفية في المغرب

      الحسن السايح
    2 العدد
      لم تنجح أية حركة دينية فكرية في العالم الإسلامي نجاح الحركة  السلفية، هذه الحركة التي انتشرت في الشرق أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وكانت لها جذور تاريخية ترجع إلى ما قبل هذا القرن بكثير ... وتعتبر دعوتها بحق عاملا أساسيا في اليقظة الإسلامية الحديثة التي قاومت التبشير وكافحت ضد دسائس الاستعمار... ولولا هذه الحركة السلفية القديمة، والتي بدورها رجعت إلى الينابيع الأصيلة للفكرة الإسلامية حطمت نواياهم السيئة وأبادت آمالهم الفاسدة، وكانت هذه الحركة الجديدة من القوة بحيث استطاعت أن تخلق جيلا جديدا يعرف الإسلام كما هو، ويعرف في نفس الوقت مدى تربص الغرب بالإسلام والمسلمين ليوقعهم في حباله، ويسلخهم من مقوماتهم ثم يفصلهم عن حضارتهم.
      ولا نستطيع أن نتجاهل الدور الأساسي الذي أسداه جمال الدين الأفغاني للحركة السلفية، وكذلك الدور الخطير الذي قام به بعده تلميذه النابغ محمد عبده مؤسس مدرسة المنار التي كانت لها أياد بيضاء على الحركة الفكرية الإسلامية... وإذا كنا اليوم نرى المسلمين استطاعوا أن يقفوا في وجه الغربيين وأن يبدعوا ويتفوقوا في شتى المجالات والميادين والمضامير فليس ذلك إلا بفضل هذه الحركة المباركة التي خلقت جيلا جديدا يتفهم مقتضيات العصر ومطالبه... وبودك أن ترجع بذاكرتك القهقرى لترى المسلمين في أوائل هذا العصر وهم ينفرون من التمدن ويعيشون في جو فكري عكر مليء بآراء بدائية لا تتصل بالإسلام وهو براء منها، ولا تنحدر عن الفكر السليم بقدر ما تبعد الصلة بينها ومنطقه العام ... ويمكن أيضا بسهولة أن ترجع إلى [...] الغربية أثر فيها وجعل منها حركة قومية في نفس الوقت، غير أن دعاتها شعروا بالفرق بين الدعوة السلفية وما يجب أن تكون عليه من وحدة إسلامية وبين الفكرة القومية التي تكتلت في الشرق آنذاك فوسعوا ميدانها وتولد عنها ما يسمى بالحركة الإسلامية... وتعتبر الحركة السلفية في الشرق جذوة شديدة الالتهاب تساقطت شظاياها في كل البلاد الإسلامية، على أن الشظية التي سقطت في المغرب الأقصى وجدت أمامها قرائح تلتهب حماسا وأفكارا تتأجج شوقا إلى تحرير الفكر المغربي، وكان القبس الروحي القداس الذي ألقته صحف السلفيين الشرقيين ومجلاتهم كفيلا أن يبعث العالم الإسلامي المغربي بعثا يتناسب والبعث الشرقي...
      [...] آثار السلفيين أوائل هذا العصر لترى مدى عمل هذه الحركة لتنظيف الفكر المسلم وتهيء الشباب للحياة الجديدة المعاصرة، فلولا جهود هؤلاء المؤمنين الأتقياء لكنا مجالا لاستعباد المستعبدين واستغلال المستعمرين والإقطاعيين..
      وإذا فالحركة السلفية كانت عاملا من عوامل التطور العقلي في الشعوب الإسلامية، وكانت مركز عمل وتوجيه، كما أن معارضتها للتيار الغربي خلق في تفكيرها ذبذبة جديدة وطاقة قوية كانت سببا في هذا النشاط العميم الذي غمر العالم الإسلامي... ثم كان من مقاومتها لمكايد الغربيين أن اصطبغت عن غير قصد بلون جديد، وتأثرت بأنظمة الغرب وأساليبه فكانت أيضا عاملا في انتشال الفكر الشعبي الإسلامي من فوضى الإيمان والعمل إلى نظام ووحدة عقيدية قضت على الطرقية التي فرقت الأمة الواحدة طرائق قددا وأقامت حربا عدائية تعصبية في صفوف المسلمين لا ترتكز على أي تنافر تقدمي مجد.
      ورغم أن الحركة السلفية كان عليها أن تكون حركة أوسع من نطاق القوميات فإن وجودها في عصر القوميات والواقع أن الحركة السلفية المغربية عرفت المغرب قبل عصر الأفغاني بكثير ولكنها لم تكن من الوضوح والنصاعة والاستعداد للعمل مثلما أصبحت عليه فيما بعد، ولذلك فما كادت الحركة السلفية المتأخرة بالشرق تصدع بأمرها حتى كان صداها في المغرب أكثر قوة وأشد تأثيرا، وحتى استجاب المغرب لندائها، وحمل لواءها، ولكن الحركة السلفية الفتية في المغرب لم تكن تجد من وسائل الدعاية والنشر ما كانت تجده أختها بالشرق، نظرا للانحطاط الفكري العام وتكالب المستعمرين على خنقها في المهد والقضاء عليها وليدة قبل أن تشب...
      لقد عرف المغرب الحركة السلفية لما حمل الحجاج دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى المولى سليمان الذي أعجب بها وحاول نشرها بالمغرب، فألف رسائله الإصلاحية، وانشأ خطبة أمر الخطباء بقراءتها على المنابر، ويحدثنا الزياني والناصري عن هذه الحركة بإسهاب لا محل لذكره هنا، ثم جاء عبد الله السنوسي من الشرق وكان أثريا سلفيا، واتصل بالمولى الحسن وحضر بنفسه دروسه بفاس، وكان السنوسي يدعو لإصلاح العقيدة وفتح باب الاجتهاد والأخذ بالسلفية، ولما كانت دعوته أقوى من عصره ثار العلماء في وجه دعوته ورشقوه بسهام النقد ... وما كاد الشيخ محمد عبده يرفع عقيرته بهذه الدعوة في الشرق حتى كان لها صدى في المغرب، وتلهف المصلحون على ما كان ينشره ويذيعه من كتب رغم وطأة الرقابة، وأخيرا عزم الشيخ الإمام على زيارة المغرب ولكن المنية عاجلته.
      و جاء بعد هؤلاء محدث خطير ومصلح كبير وهو الشيخ أبو شعيب الدكالي الذي عاصر محمد عبده، وأظن أنه اتصل به اتصال الأنداد، وكان أن بدأ حركته السلفية في عهد المولى عبد الحفيظ، وساعدته ذاكرته القوية وحافظته الجبارة ولهجته المتناسقة أن يخلب الألباب ويحير الأسماع، فنجح نجاحا منقطع النظير وتبوأ منصب القيادة العاطفية والزعامة الدينية في هذه البلاد.
      وكما كان الشيخ محمد عبده يصادف معارضة نزيهة من بعض العلماء الذين [لم] يروا رأيه كالألباني والشيخ بخيت مثلا فكذلك عرف المغرب حركة تعادي السلفية، ولا نتحدث عن هؤلاء الأعداء الذين تنمروا لها بدافع الغطرسة والمكيدة، بل نتحدث عمن حاربوها عن نية حسنة ورأوا فيها حركة ترجع القهقرى بالتطور الفقهي والعقيدي والعمل على عدم مزج التصوف بالعقيدة، كالمراكشي الذي نشر كتبا في هذا الموضوع وكتب عنه الأستاذ فور بحثا قيما شرح فيه أفكاره ودرس تآليفه بوضوح، وكغيره من زعماء بعض الطرق الذين كانت نيتهم حسنة وإن استغلها أعداء الإصلاح.
      هذه مهمة الحركة السلفية قبل الاستقلال: مقاومة المستعمرين، وتطهير الفكر، والرجوع بالإسلام إلى عذوبة ينابيعه الأولى ... وقد أصبحت الحركة السلفية اليوم تواجه مشاكل أخرى، وهي في نظري أشد عناء من المشاكل السابقة، ذلك لأن أعداءها بالأمس كانوا يكيدون في وضح النهار وهم اليوم يكيدون لها في ظلام الليل، كانوا من الوضوح والجلاء بحيث لا يتعذر على السلفية أن تقاوم في عنف اتجاههم وتكبح جماحهم  وترد كيدهم، وكان من السهل عليها أن تكتل الجهود الشعبية لمقاومة هؤلاء الأعداء كما كانت الدعوة إلى التعبئة العامة لمناهضة المحطمين تجد آذانا مرهفة وقلوبا واعية، أما اليوم فهي إزاء مشاكل من نوع آخر، ولا أبالغ إذا قلت إن هذه المشاكل أخطر مما عرفته بالأمس، فليس من شك أن الشباب المغربي قرأ كثيرا عن فلاسفة الغرب وفلسفتهم المادية وتعرف إلى الحضارة الفكرية بطريقة منظمة، ثم لا شك أيضا أن هؤلاء لا يعرفون إلا نزرا عن حضارة الشرق الروحية، وهذا النزر الذي يعرفونه مشوه ومبتور، وأستطيع أن الحسن السائح الحسن السائح الحسن السائح الحسن السائح الحسن السائح  الحسن السائح  أقول إن هذا الشباب لو طرحت عليه مشكلة فلسفية تتصل بهذه المادة التي استظهرها في دراسة الفلسفة لكانت معرفته عميقة بالموضوع إن كان ماسا بالفلسفة الفرنسية، وسطحية إذا كان ماسا بالفلسفة الإنجليزية، ولكنها سطحية فيها احترام وتقدير لهذه الفلسفة، أما إذا كانت ماسة بالفلسفة الشرقية فمعرفته بها مشوهة لا تخلو من جهل وازدراء... وهؤلاء يكونون خطرا على نهضتنا الجديدة لأنهم غرباء عن الفكر المغربي وإن كانوا من رحمه، وهم إنما يجارون التيار تزلفا، أو ربما جاروه مجاراة لا تخلو من استسلام وعدم اكتراث، وإذا قدر لهؤلاء أن يتكلموا عن الدعوة الروحية بصراحة فهم لا يقلون حماسا في النيل منها من أعدائها القدماء... وكيفما كانت الحرية الفكرية التي ندعو إليها ونرغب فيها فنحن لا نطمئن إلى حرية هدامة، وإذا كنا لا نتعصب لفكرة ما فنرجو أيضا ألا يتعصب هؤلاء لأفكارهم الخاصة, وأنا أعتقد أن الذي يراك تدخل المسجد فيلدغ سلوكك بكلمات تهكمية لا يقل تعصبا عن هذا المتدين الذي يرى من الواجب أن تقيم الدولة عقوبات صارمة على المواطنين الذين لا يؤدون الصلاة في أوقاتها...
      ولا أحتاج للبرهنة على ما أقول بضرب الأمثلة وعرض الأشرطة، فيكفي أن تتحدث إلى شاب مغربي غربي الثقافة ليحدثك عن الإسلام بمثل ما تحدث به عنه هانتو وأمثاله وما انتقده الغرب على الآراء والمعتقدات الإسلامية
      في القدر والقضاء والخلافة والحكم والعدالة مثلا، ثم لا يذكر لك شيئا عن موقف الفلسفة الإسلامية المعاصرة من هذه الشكوك... كفى بهذا حجة أن الشباب يتأثر بالأفكار الغربية أكثر من تأثره بالآراء الشرقية الروحية، ومعرفته بها على الأقل...والواقع أن المشاكل التي تواجه اليوم الحركة السلفية متعددة منها هذا النوع من الشكوك والريب الذي يمس جوهر الإيمان والغيبيات، ثم ما تحمل الحضارة الغربية المادية من تحطيم للقيم الروحية، وهذا النوع لا يجابه حركتنا السلفية وحدها بل يقف كابوسا أمام الديانات سواء في الشرق أو في الغرب، في الشمال أو الجنوب.. ومن هذه المشاكل نوع آخر يواجه الحركة الإسلامية وحدها، ويظهر في هذه الرشقات التي يصيب بها فريق من الذين يمعنون في الحركة الإسلامية نقدا وتجريحا، ثم هذه النظريات التقدمية التي علينا أن نوفق بينها وبين مبادئ الإسلام حتى لا يشعر الشباب المسلم بهذا الاعتلاج في صدره بين عقله وقلبه، وهذا النوع نقتسم أعباءه مع إخواننا المسلمين في العالم الإسلامي أجمع، وأخيرا من هذه المشاكل نوع آخر يعترض طريقنا - ويجب أن نعترضه - ويظهر في هذا الإلحاد الذي ينبثق من صفوفنا وهذا الشك القائم الذي يخيم على أفكار شبابنا والذي كان له أصل من جمودنا طورا، ومن الرواسب الاستعمارية مرة أخرى ...
      وكيفما كان الأمر فالحركة السلفية اليوم إزاء هذه المشاكل كلها، ولن تستطيع أن تتنكر لها أو تمضي في صمت مغرق غير حافلة بهذه الأشواك التي تزرع في حقل الإيمان الطاهر، وهذه الشكوك التي تنبثق في مجال اليقين المطلق. فإذا كانت الحركة السلفية تحارب بالأمس عدوا أجنبيا نشاهده وجها لوجه فهي اليوم تحارب عدوا خفيا تنمو جراثيمه في الظلام... فلتكن الحركة السلفية اليوم أكثر استعدادا وأوفر مقومات لتكافح مستميتة ولتنتصر اليوم كما انتصرت بالأمس.. ولن يكون هذا إلا بنفس السلاح الحاد ونفس الطريقة التي ينزع إليها الخصوم الألداء، ثم لن يكون هذا أيضا إلا بثقافة واسعة، واطلاع عميق ومعرفة دقيقة بمشاكل العصر ومطامح النشء وآمال الشباب.

      شارك الموضوع على :    Facebook Twitter Google+ Stumble Digg

      ابحث بكل أمان في المواقع العلمية و الإسلامية الموثوقة

      ابحث بكل أمان في المواقع العلمية و الإسلامية الموثوقة
      لا تنس أن تجعل رابط الموقع في المفضلة ـ Favoris

      إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

      هذا الموقع آمن و لا يوجد به اشهار و لن يوجد